توسَّعت الأعمال الإدارية وتزايدتْ، وتشابكتْ وتداخلتْ، ونظراً لِـما يحقِّقه التفويض من مزايا تُخفف الأعباء التي تثقل كاهل المسؤول الإداري وتعاونه في إدارة مهماته ومباشرة شؤونه وتسيـيـر أعماله؛ اختار هذا المقال أنْ يعرِّج وإياكم على موضوع (التفويض الإداري) لِــيُـــبيِّن معناه، ويقف -من خلال ذلك- على أبرز مفاصله.
ومنشأ فكرة التفويض عائدٌ إلى الوكالة، لكن الأخيرة تأخذ مظهراً مختلفاً عن التفويض، وتُبايِـــنه في عددٍ من الوجوه، من أبرزها: أنَّ الوكالة لا تتم إلا بقبول الوكيل لها، أمَّا التفويض فلا يُشترط له قبول الـمُفوَّض. وإنَّ التأمل في التعريف اللغوي للتفويض كفيلٌ بأنْ يقودنا إلى معناه الذي يريده القانون الإداري له، فالتفويض مصدرٌ للفعل: فوَّض، حيثُ يُقال: فوَّضَ فلانٌ الأمر إلى غيره، أي: جعله إليه، وردَّه له، وصيَّره الحاكم فيه. لِـــيمتدَّ هذا المعنى اللغوي ويسري إلى القانون الإداري، الذي يُمكِن أن يُجـمَـل فيه معنى التفويض بأنَّه: (قيام المسؤول الإداري بإسناد ممارسة بعض اختصاصاته الممنوحة له نظاماً إلى غيره، بناءً على نصٍّ قانونيٍّ يُجيز له ذلك)، وإنَّ هذا التعريف يكشف لنا النقابَ عن أمرين رئيسين:
أمَّا أَولهما: فهو أنَّ التفويض الإداري إنَّما يكون لبعض الاختصاصات والصلاحيات لا لجميعها، إذ لا يمكن للمسؤول تفويض كافة صلاحياته إلى غيره؛ لأنَّ ذلك يُعدُّ شِــبه تنازل منه عن وظيفته، وانعزاله عن واقع عمله، وإمكان منحه إجازةً لنفسه، وكــلُّ هذا يُعارِض الحكمة التي جاء من أجلها إقرار التفويض الإداري، فليس التفويض: («إنابة» للغير عند غياب المسؤول الأصيل، على نحوٍ يجيز للغير مباشرة كافة اختصاصات الأصيل)، بل موضِعه: (النأي عن المركزية الإدارية، عبر: استعانة المسؤول الأصيل الذي على رأس العمل بــغيره، بأنْ يُخوِّله ببعض اختصاصاته)، ليُــــشِــيع التفويضُ بذلك أجواءَ اللامركزية، ويُـكسِب المسؤولين التابعين ثقة مسؤولهم فيهم، ويُـساعد على إنجاز المهام بالسرعة والكفاءة المطلوبتين -كما تقدَّمت الإشارة لذلك في مطلع المقال-، ومن ثم تكون للمسؤول إثرَ قيامه بتفويض بعض صلاحياته فسحةٌ في أداء الأعمال والمهام الأكثر أهميةً. وهذا حــرفٌ دقيق يحسن الوقوف عنده؛ نظراً لما يقع بين التفويض والإنابة من تماسٍّ والتباس.
وأما ثانيهما: فهو لزوم وجود مستند نظامي يجيـز التفويض ويأذن به؛ ذلك أنَّ الاختصاص في القانون العام ليس حقَّاً شخصيَّاً، والأصلُ: ممارسة المسؤول لاختصاصه بنفسه، والاستثناءُ من هذا الأصل يجب النصُّ عليه، إذ لا استثناء إلَّا بنصٍّ. وعليه: فإذا عُهِد باختصاصٍ ما إلى سلطةٍ إداريةٍ معينة فإنَّ مباشرتها لهذا الاختصاص يكون واجباً قانونياً عليها لا يصح أن تُسنِده لسواها إلَّا إذا نصَّ القانون على جواز ذلك، فإذا نَصَّ على الجواز: فيكون القانون الذي أَسند هذا الاختصاص لصاحب السلطة هو ذاته الذي أجاز له تفويض غيره فيه، فتكون حينها مباشرة الغير للاختصاص الذي فُـوِّض فيه مستمدَّة من النظام.
وإنَّـنا إذا مررنا بالأنظمة السعودية الصادرة تِباعًا حتى يومنا هذا، فسنراها قد راعت هذين الأمرَين وأعملتهما -فالتفويض لا بُدَّ له من نصٍّ، وهو إنَّما يكون لبعض الاختصاصات- :
- فالترتيبات التنظيمية للهيئة السعودية لتسويق الاستثمار الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم (13) وتاريخ 4/1/1444ه، بعد أنْ ذكرتْ اختصاصات مجلس إدارة الهيئة، نصَّت على أنَّ “للمجلس تفويض بعض اختصاصاته إلى الرئيس، أو مَن يراه من أعضائه، أو من منسوبي الهيئة”، وبعد أنْ ذكرتْ اختصاصات الرئيس التنفيذي للهيئة، نصَّتْ على أنَّ “للرئيس التنفيذي تفويض بعض اختصاصاته إلى مَن يراه من منسوبي الهيئة”.
- كذلك فإنَّ الترتيبات التنظيمية لهيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم (508) وتاريخ 23/7/1444ه، بعد أنْ أوردتْ صلاحيات مجلس إدارة الهيئة، نصَّت على أنَّ “للمجلس إنشاء لجان -دائمة أو مؤقتة- من بين أعضائه أو من غيرهم، وأن يفوضها ببعض اختصاصاته”، وبعد إيرادها لمسؤوليات وصلاحيات محافظ الهيئة، نصَّت على أنَّ “للمحافظ تفويض أيٍّ من اختصاصاته إلى غيره من منسوبي الهيئة”.
وشيوع ذلك واستفاضته يُغني عن مزيدِ تمثيل وتدليل.
وإنَّ ممَّا هو حقيقٌ بالتنبيه والتنويه ختاماً: أنَّه لـمَّا تقرَّر -ممَّا تقدَّم- كون التفويض استثناء من الأصل، فإنَّ الاستثناء يُـــقــتـــصَـر به على محلِّه، ولا يُتوسَّع فيه فيُجاوِزه إلى سواه. وعليه: فلا يجوز قيام المُفوَّض بتفويض الاختصاصات التي فُوِّض بها إلى غيره إلَّا إذا أجاز له النظام ذلك؛ حتى لا يتسلسل التفويض ويتـتـابع وينتهي إلى مستوياتٍ دُنيا تَــــعسُر الرقابة عليها، فيقود ذلك إلى فوضى تُوقِع في خلاف الغرض الذي ينشده التفويض، والغايات التي يرمي إلى تحقيقها.

