-الطبيعة القانونية للتراخيص الإدارية-
تضاعف في السنوات الأخيرة إصدار الجهات الحكومية -بحسب الاختصاص- لتراخيصها الإدارية لأنشطة الأفراد والكيانات على حد سواء، الأمر الذي دفعني باهتمامٍ لكتابة هذه المقالة عن التراخيص الإدارية وطبيعتها القانونية، لتُجيب عن سؤال: (ما هو الترخيص الإداري، وماذا يعني صدوره لفردٍ أو كيانٍ ما؟)، ليؤدِّي ذلك إلى الكشف عن الطبيعة القانونية للتراخيص.
يُعرَّف الترخيص لغةً بـ : الإذن والموافقة، ويُجمَل تعريفه في القانون الإداري بأنَّه: موافقة جهة الإدارة على منح ميزة وقتيَّة للمُرخَّص له. وقد تباينتْ تعريفات (الترخيص الإداري) في الأنظمة السعودية لفظاً، إلَّا أنَّ مؤدَّاها متقاربٌ، حيث يدور تعريفه فيها حول كونه: (موافقة مكتوبة تصدرها الجهة الحكومية لشخص ذي صفة طبيعية أو معنوية لممارسة اختصاصٍ مندرجٍ ضمن نطاق هذه الجهة، وفق شروطٍ معينة، بصفة دائمة أو مؤقتة)، ولئن أوضح هذا التعريف بجلاءٍ يُغني عن البيان أنَّ الـمُصدِر للترخيص الإداري: الجهة الحكومية ذات الاختصاص بالنشاط الـمُرخَّص له، وأنَّ الممنوح قد يكون شخصاً طبيعيّاً وقد يكون معنويّاً، فإنَّ في هذا التعريف أوصافاً أخرى تُــكَـــوِّنُ (الطبيعة القانونية للتراخيص الإدارية)، والتي بالإمكان إيضاحها من خلال ما يلي:
• أنَّ ورود لفظ (الموافقة) في بداية تعريف الترخيص الإداري، يَـــعني اشتراط حصول (موافقة) جهة الإدارة المختصة على منح الترخيص لطالبه، وفي هذا دلالةٌ على أنَّ التراخيص الإدارية وسيلةٌ من وسائل الضبط الإداري.
• أنَّ الترخيص الإداري موافقةٌ (مشروطة) من جهة الإدارة، أي: أنَّها مرتبطة بتوافر شروطٍ للانتفاع بهذه الميزة -الترخيص-، فحصولُ طالب الترخيص على موافقة جهة الإدارة هو نتيجةٌ لتحقُّق الضوابط والشروط التي يلزمه استيفاؤها ليُمنَح الترخيص الإداري، ولولا هذه الشروط لانتفتْ الغاية السامية للترخيص، وهي: تنظيم الجهة لنشاطها الذي تُشرف عليه. وسنجدُ النَــصَّ على ذلك مبثوثاً في الأنظمة واللوائح ذات العلاقة بالتراخيص على اختلافها، فعلى سبيل المثال: أوردتْ المادة (السادسة) من اللائحة التنفيذية لنظام الاستثمار الأجنبي وفقاً لتعديلها الصادر بقرار مجلس إدارة الهيئة العامة للاستثمار -حينها- رقم (2/74) وتاريخ 12/5/1435ه شروطَ وضوابطَ منح الترخيص للاستثمار الأجنبي، ونصَّتْ الفقرة (5) منها على (أنْ يلتزم طالب الترخيص بالشروط والضوابط والإقرارات والتعهدات الملحقة بنموذج طلب الترخيص الاستثماري).
• أنَّه كما يلزم استيفاء الشروط والضوابط النظامية للانتفاع بالترخيص ابتداءً، فيلزم كذلك الاستمرار على هذه الشروط لاستمرار المنفعة وبقائها، فهي ليست شروطاً تَــسْقُط المطالبةُ بها بمجرد الحصول على الترخيص. وعليه، فلا غرو أنْ نجد ضمن أحكام ديوان المظالم ما يقضي بأنَّ (التراخيص الإدارية في أصلها مؤقتة لا دائمة)، وأنَّها (لا تُكسِب حقَّــاً ثابتاً ودائماً للمرخَّص له، إذ لا يتولَّد عن الترخيص حقٌّ ثابتٌ نهائيٌّ كحق الملكية).
وإنَّما اُعتُبِرتْ التراخيصُ كذلك بصورة رئيسيَّة؛ لارتباطها وجوداً وعدماً باستمرار التزام الـمُرخَّص له بالضوابط والشروط التي نَص عليها المُشرِّع، وسنجدُ -على سبيل المثال- تأكيداً على ذلك بصورةٍ صريحةٍ في نظام السياحة الصادر بالمرسوم الملكي رقم (م/18) وتاريخ 26/1/1444ه الذي نصَّتْ الفقرة (2) من المادة (الثالثة) منه على أنَّ (على الـمُرخَّص له الاستمرار بالالتزام بجميع الاشتراطات والمتطلبات اللازمة للترخيص والتصنيف المحدَّد له أثناء سريانهما)، ومتى ما انتفى الالتزام بهذه الاشتراطات والمتطلبات كان لجهة الإدارة كامل الحقِّ في عدم تجديد الترخيص أو سحبه أو تعديله أو تعليقه، وهذا يتفق مع ما استقر عليه قضاء ديوان المظالم في أحكام منازعات التراخيص، والتي نجدُ فيها النصَّ على أنَّ (منح جهة الإدارةِ الترخيصَ لمزاولة نشاط معيَّن لا يَعني الديمومة، بل هو مجرد ميزة وقتيَّة، يمكن إلغاؤها أو سحبها أو عدم تجديدها أو إيقافها بشكل مؤقت)، وهو ما يؤكِّد أحقيَّة استمرارِ رقابة الجهات الإدارية على التراخيص، ودوامِ تحقُّقها من تقيُّد الـمُرخَّص له بأحكام أنظمتها.

